محمد بن جرير الطبري
358
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
بظاهر التلاوة ، أن تكون مسألتهم إياه ذلك كانت مسألة لتنزيل الكتاب الواحد إلى جماعتهم ، ( 1 ) لذكر الله تعالى في خبره عنهم " الكتاب " بلفظ الواحد بقوله : " يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابًا من السماء " ، ( 2 ) ولم يقل " كتبًا " . * * * وأما قوله : " فقد سألوا موسى أكبر من ذلك " ، فإنه توبيخ من الله جل ثناؤه سائلي الكتابَ الذي سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينزله عليهم من السماء ، في مسألتهم إياه ذلك = وتقريعٌ منه لهم . يقول الله لنبيه صلى الله عليه وسلم : يا محمد ، لا يعظُمَنَّ عليك مسألتهم ذلك ، فإنهم من جهلهم بالله وجراءَتهم عليه واغترارهم بحلمه ، لو أنزلت عليهم الكتاب الذي سألوك أن تنزله عليهم ، لخالفوا أمر الله كما خالفوه بعد إحياء الله أوائلهم من صعقتهم ، فعبدوا العجل واتخذوه إلهًا يعبدونه من دون خالقهم وبارئهم الذي أرَاهم من قدرته وعظيم سلطانه ما أراهم ، لأنهم لن يعدُوا أن يكونوا كأوائلهم وأسلافهم . * * * ثم قصّ الله من قصتهم وقصة موسى ما قصَّ ، يقول الله : " فقد سألوا موسى أكبرَ من ذلك " ، يعني : فقد سأل أسلافُ هؤلاء اليهود وأوائلهم موسى عليه السلام ، أعظم مما سألوك من تنزيل كتاب عليهم من السماء ، فقالوا له : " أرنا الله جهرة " ، أي : عِيانًا نعاينه وننظر إليه . * * * وقد أتينا على معنى " الجهرة " ، بما في ذلك من الرواية والشواهد على صحة ما قلنا في معناه فيما مضى ، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع . ( 3 ) * * * وقد ذكر عن ابن عباس أنه كان يقول في ذلك ، بما : -
--> ( 1 ) في المطبوعة : " لينزل الكتاب " ، وأثبت ما في المخطوطة . ( 2 ) في المطبوعة : " يقول : يسألك . . . " ، والصواب من المخطوطة . ( 3 ) انظر تفسير " جهرة " فيما سلف 2 : 80 - 82 .